بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله منشيء الخلق من عدم ^ ثم الصلاة على المختار ذي الكرم
لقد جرت العادة -مؤخّراً- بأن يبارك المسلمون بعضهم بعضاً بقدوم شهر العبادة .. شهر الصيام والقيام .. شهر الصدقة والقرآن .. شهر الرحمة والمغفرة .. والعتق من النيران .. واليوم هو المتمم لـ شعبان .. وغداً أول أيام رمضان للعام الثاني والثلاثون بعد الألف وأربعمائة عاماً هجرياً .. منّ الله سبحانه وتعالى علينا بهذا الشهر الفضيل .. شهر العبادة والطاعة .. شهر الجدّ والمثابرة .. شهر شدّ الأزر وتشمير للسواعد .. والدأب على الطاعات المختلفة .. في نهاره وليله ..
السؤال الذي اطرحه دائما على نفسي .. ولا أعرف لماذا أنا أطرح هذا السؤال على نفسي دائماً .. ولكنّي أطرحه بمجرد ما أسمع أي شخص يبارك لآخر .. أو أي أحد يبارك لي بمناسبة قدوم هذا الشهر الفضيل .. قائلين: مبارك عليكم الشهر .. أو .. كل عام وأنتم بخير .. أو .. أي شيء من هذا القبيل .. فأتساءل -وأنا في حيرة من أمري- مالذي يباركونني عليه؟ .. يباركونني على أني سأخوض حرباً ضد شياطين نفسي .. وشياطين الإنس .. والشهوات .. لمدة تناهض الثلاثون يوماً .. ماذا هناك ليتم التهنئة عليه؟ .. فالتهنئة يجب أن تكون في حال انتصرت على نفسي وشياطين الإنس .. وليس قبل أن ابدأ في خوض المعركة ضدهما ..
فهل رأينا أن يهنّيء الناس طلاب المدارس قبل دخولهم الاختبارات .. مثلاً: مبارك عليكم الاختبارات .. أو .. كل اختبار وأنتم بخير .. أو .. أي شيء من هذا القبيل!
كلا لم نرى ذلك .. فالذي يوشك أن يدخل اختبارا ما يجب أن ندعو له بالتوفيق .. ونقول له اجتهد وفّقك الله .. ونتركه في حاله .. ولا نكلّفة بالكثير من الأعمال في المنزل .. بل إنّنا نعتذر له من جميع من يوكّله من أعمال .. كأحد من أكابره (أعمامه أو أخواله أو حتى إخوانه وأخواته) ونعتذر منهم بحكم أنّه داخل على اختبارات .. وعليه أن يجتهد ويراجع ويذاكر ..
إذا .. لماذا عندما نكون على وشك الدخول على اختبار محاربة النفس وشياطين الإنس في شهر مخصّص لهذا الغرض؛ نجد أنّنا نهنّيء بعضنا بعضاً بقدومه!؟ .. ما بالنا نتخبّط .. ما بالنا لا نرى شيئاً يوجب التهنئة؛ فنهنّيء بما نجد أمامنا .. حتى لو كانت ساعة الاختبار .. حتى لو كانت لحظة الحرب .. حتى لو كانت لحظة الامتحان .. ما لنا لا نرى رجالاً كنّا نعدّهم مسلمين، مؤمنين، مجتهدين، معتكفين، قائمين، قارئين، ممسكين عن كل ما له صفة الشهوة في النفس البشريّة .. أين أنتم يا قوم؟
لا أهنّيء أيّ أحد بشهر رمضان .. بل أقول لكم يا قومي ما لي أراكم قد تجاهلتم الحِكَم الإلاهية في فرض الصيام .. وأصبحتم تهنّئون به .. ما لي أراكم وقد تجاهلتم تربية أنفسكم على الإمساك عن الشّهوات جميعها .. وأصبحتم تتسوّقون فيما يسمّى بـ مهرجان رمضان .. ما لكم لا تحكمون!؟
قد صار شهر الصّيام والقيام – هو شهر التسوّق والمهام
وصار شهر القرآن والعبادة – هو شهر مكاسب الدّنيا وزيادة
وصار شهر التحفيظ وتسميع التراويح – هو شهر لعب الدواري والمراجيح
وصار شهر الصلاة في المسجد الحرام – هو شهر من الإنغماس في الاستماع إلى.ورؤية الحرام
مالذي يحدث من حولي .. هل هو حقيقة .. هل ما أراه صحيحاً .. قوائم الأعمال في البيت تزداد في هذا الشهر .. قوائم التسويق .. وصارت تحتوي على أشياء لا تحتويها طول العام .. مالذي يحدث .. هل ما أراه يقيناً .. فلا يكاد الشهر الكريم يبدأ .. إلا وتبدأ الأنفس الأمّارة بالسّوء في إظهار ما فيها من قوة على أصحابها .. فلا يكاد يقوى رجل على نفسه .. ولا امرأة على ما تشتهيه .. فكيف بالأطفال يناضلون .. فكيف سيربّي ذلك الرجل المنغمس في شهواته .. وتلك المرأة الغائصة في نفسها .. أولئك الأطفال الذين لا يفهمون حتى الآن .. لماذا فرض الصيام!
كيف كنًا زماناً
عندما كنّا أطفالاً .. كنّا نرى الكبار يختمون الختمات وهم يتمتّعون بقراءتها .. ونرى تلك المتعة ظاهرة على وجيههم النيّرة .. ونقول في أنفسنا: سأختم ختمتين هذه السّنة .. بدلاً عن ختمة واحدة في السّنة الماضية .. ونختمها فعلاً .. ونحس بالانتصار ..ونهنأ بالعيد بعدها حقاً ..
عندما كنّا أطفالاً .. كنّا نرى الكبار يصومون .. وعند الافطار يجلسون متوجّهين للقبلة .. وصحن التمر و”جكّ” الماء على جانبهم .. وأيديهم مرفوعة .. والدموع منسوبة على الخدود .. وتسمع لهم أنين عجيب .. تذوب معه .. تتحلّل فيه .. ترى نفسك وقد تذلّلت لخالقها .. تحزن عليهم .. وتعطف بهم .. حتى تسمع الحق ينادي إليه المؤذن .. الله أكبر .. الله أكبر .. فيعجّل الكبار بوضع تمرة في الأفواه .. وفي وسط تلك الدموع .. ويشربون كأساً من ماء زمزم الطاهر .. ثم يقومون لتجديد الوضوء .. ويعجّلون للمسجد .. فالإمام والمؤذن لهم بيوت يعودون إليها ليكملوا فطورهم .. وكذلك يجب أن نفعل نحن ..
عندما كنّا أطفالاً .. نرى الكبار وهم يتسابقون في الحصول على المساجد والمصلّيات لتسميع التراويح .. ونحن نذهب معهم للاستماع لهم .. ونقول في انفسنا: سيأتي دوري حينما أتمّم حفظ القرآن كاملاً .. وسأؤم النّاس في التراويح .. وسأجوّد .. وسأقلّد الشيخ علي جابر رحمه الله .. أو الشيخ محمد أيوب .. أو الشيخ عبد الرحمن السديس .. كنّا نرى أنفسنا نجتهد في حفظ أكبر قدر ممكن في رمضان .. وفي الحقيقة كنا نحفظ في رمضان مثل ما نحفظ كامل السّنة في التحفيظ ..
..
والآن!
ماذا حصل؟
ماذا حدث؟
أين تلك الطفولة؟
أين تلك الأماني؟
أين أولئك الكبار؟
أين المتّقون؟
أين المصلّون؟
أين القوّامون؟
أين العبّادون؟
أين المربّون؟
أين .. أين .. أين نحن؟ ..
أبعد الطفولة ضعنا .. لماذا؟
دعونا نعيد المجد .. دعونا نعيد حلاوة الصيام .. دعونا نعيد حلاوة القيام .. دعونا من الأسواق والمهرجانات هذا الشّهر .. دعونا من تجارة ومكاسب الدّنيا هذا الشّهر .. دعونا من النّفس وشهواتها لمدة شهر فقط .. دعونا نستعيد طفولتنا .. لحظات منها .. لحظات قراءة القرآن بحلاوة .. لحظات تسميع القرآن لأبنائنا وبناتنا .. ونخطيء في التسميع فيصحّحونا هم .. لحظات الدعاء عند الإفطار ولذة البكاء بين يدي الجبّار .. لحظات القيام في التراويح .. والاستماع إلى كامل القرآن .. خلف إمام يصلّي العشرين ركعة ..
لنعوّد أطفالنا على ما تعوّدنا عليه!
دعونا من التهنئة يا جماعة .. دعونا منها هذه المرّة .. دعونا نجتهد هذا الشّهر .. فنهنّيء بحق وحقيقة في نهايته .. فنهنّيء ونتهنّأ بحقيقة التهنئة في نهايته .. في العيد .. فالعيد هو للتهنئة .. فالعيد تهنئة من ربّ العالمين .. بقبول ما نجتهد له خلال هذا الشّهر القادم ..
نسأل الله التوفيق والصّلاح .. في الصّيام .. والقيام .. والاعتكاف .. وقراءة القرآن .. آمين
























روووعة …جزى الله خيرا كاتب هذا الكلام
ونسال الله التوفيق …الله اعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
آمين
جزاء الله و بارك الله فيك اخي سلمان و نفع الله بك و بعلمك المسلمين يا رب العالمين المقال جدا جيد و يجب على الانسان يستفيد منه ان شاء الله تعالى
أكرمكم الله سيدي محمد .. نوّرت الموقع حبيبي
وأيضا أضيف…
عندما كنا أطفالا … كنا نرى أمهاتنا وهن يصنعن أصنافا كثيرة من الطعام ولا نرى نصفها على مائدتنا للإفطار … بل كانت تذهب للجيران، وتأتينا بعددها أصنافا أخرى من الجيران على مائدة إفطارنا … وبذلك كانو يضمنون تبادل الأجر والمثوبة المخصصة لإفطار الصائم … فتناوبو جميعا لزيادة الأجر لكل منهم بطيب خاطر!
وأود أن أزيد تذكيرا صغيرا للجميع … فكما لا يخفى على الجميع فإن الصيام له فضل كبير … والصائمين وعدهم الله بجزيل من العطاء والمزيد من الأجر والمثوبة من عنده … ولكن الملاحظ من الأحاديث النبوية الدالة على هذه الأمور أن الشحناء والبغضاء في القلوب (والحقد والحسد) من أعظم الموانع التي تحول دون حصول الأجر على الصيام وأعمال الخير خلال شهر الخير والقرآن …
فلنجتهد وننزع تلك الشحنات وذلك البغض من قلوبنا … فلنسامح ولنتسامح ولتكن قلوبنا بيضاء قبل دخول الشهر علينا … جعلنا الله وإياكم ممن تحقق فيهم رحمته ومغفرته والعتق من نيارنه خلال هذا الشهر الفضيل … إنه سميع مجيب الدعوات ~ آمين
جزاك الله خير الجزاء ورحم والديك
والله أتمنى أن كل الناس تطبق هذا الكلام …ولكن للأسف في هذا الزمان أغلب الناس أصبحوا كما وصفتهم في مقالتك
نسأل الله العافية والسلامة .
منذ نصف شهر شعبان والرسائل تنهال على الجوال ويا ليت فيها دعوة طيبة أو نصيحة تحثني على الاجتهاد في شهر رمضان
ولكن للأسف كانت كلها عبارة عن تبريكات !!.
شكرا لك على مقالتك الرائعة كثر الله من أمثالك ونفع بنا وبك عامة المسلمين……آمين